الارشيف مايو, 2010

مايو 19th, 2010

قال المسؤول سآوي إلى برج المملكة يعصمني من الماء .. ولا عزاء للضبان

كتبت في قسم : نهضة وتغيير بواسطة نظم

وهذه التدوينة كذلك اختفت بعد نشرها بقدرة قادر، يبدو أن الموساد خلف اختفاء التدوينتين :) وأكرر الاعتذار للإخوة المعلقين

 

تهت ذات نزهة أنا وبعض الأصحاب في الصحراء، واستمر ضياعنا فيها أياما، حتى شارفنا على الهلاك، وإذ بنا نقابل شيخا وقوراً قد جاوز التسعين، لحيته البيضاء وعمامته التي يلبسها زادته وقاراً وهيبة، لقد كان في كامل قوته، وكأنه اليوم بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ..

لما أقبل علينا كنا في حال يرثى لها، وكان العطش بلغ منا مبلغه، فسلم علينا وبالكاد استطعنا رد السلام، لقد كانت أعيننا مسمرة على القربة التي يحملها حصانه الأسود.

قام الشيخ الوقور بإنزال القربة، وبدأ بترطيب شفاهنا بالماء، وابتسامة آسرة تعلو محياه، وبين وقت وآخر يسقينا شربة من ماء حتى عادت إلينا روحنا التي كدنا نلفظها.

سألنا الشيخ بهدوء: من أين القوم؟

قلنا: من الرياض.

قال: إذاً أريد منكم معروفا.

قلنا: لك في رقابنا ديناً لن ننساه، ولن نرد لك طلبا.

قال وهو يمتطي صهوة جواده: أريدكم أن تبنوا سفينة ضخمة تتسع لأهل الرياض. ثم لم نر إلا غبار خيله ..

بعد عودتنا إلى الديار بدأنا بالمشروع الذي طلبه منا ذلك الشيخ، واخترنا الثمامة مكانا لبناء السفينة.

وهكذا بدأنا أيها السادة ..

كان علينا أن نتحمل سخرية الناس منا وضحكهم علينا، وكم كان الأمر صعبا .. الكل يقول سفينة في الرياض ؟؟

رد فعلنا الوحيد هو الابتسامة، ثم مواصلة العمل دون الالتفات إلى الخلف.

الفضوليون أزعجونا بكاميراتهم والإعلام كذلك، ونحن ماضون في مواصلة المشروع ..

وبعد سنوات من العمل الجاد، وتحمل أذى السخرية والتسفيه من الناس، انتهينا من العمل، ودققنا آخر مسمار في تلك السفينة الضخمة.

كنا أثناء العمل نشاهد من بعيد خيال شخص بجانبه خيل وكأنه يتابع العمل، ومن غيره؟

إنه الشيخ التسعيني..

بعدما انتهينا من بناء السفينة، عدنا إلى خوض روتين الحياة، وبعد مضي حوالي السنتين على بنائها، وفي أحد أيام شهر مايو من عام ألفين وعشرة بعد الميلاد كانت السماء صافية والجو صحواً، ولكن خلال دقائق تبدل الحال، وتلبدت السماء بالغيوم، وبدأ المطر يهطل، لم يكن غزيرا، ولم يستمر وقتاً طويلاً، لكن شوارع الرياض غرقت بالمياه، وذابت فيها مشاريع الصرف التي لم تشم إلا رائحة المليارات ولم تعرف طعمها.

وأعلنت وسائل الإعلام أن القادم أسوأ، وأننا نبحث عن حل لنجاة أهل المدينة بأسرع وقت ممكن.

وإذ بهم يتذكرون تلك السفينة الضخمة، القابعة على أطراف الرياض، التي كان نفر من الناس يبنونها.

وبالفعل حمل الناس ما استطاعوا من متاع واتجهوا للسفينة، ومن عجز منهم اتصل بالدفاع المدني ليقدم له المساعدة لكن الدفاع المندي كان خارج الخدمة مؤقتا، وبانت الفضيحة، فلم تكن القوارب التي تصطف أمام مبانيه إلا هياكل فقط، منزوعة الأحشاء، فمن كان يظن أن الرياض تحتاج إلى قوارب؟

لن أنسى إخباركم أن هذه القوارب تم شراؤها من أكبر شركة بريطانية لتصنيع قوارب الإنقاذ، في صفقة تعد الأغلى في التاريخ، والتي لم تستطع موسوعة جينيس تسجيلها من هول الرقم الفلكي خشية أن الناس لا يصدقون ذلك، وبالتالي تفقد الموسوعة مصداقيتها.

لكن الشباب المتطوعين كانوا في الموعد وحملوا الناس على أكتافهم وغطوا عيب الدفاع المدني الذي وقف مبهورا من إمكانياتهم.

كان الشيخ الوقور أول متواجد على ظهر السفينة، وقد وقف عند مدخلها يسمح للناس بالدخول أفواجا، ولكنه ينتقي بعض الأوجه ويمنعها من ركوب السفينة.

وقد اتضح لنا في ما بعد أنهم المسؤولين عن هذه الكارثة، وهم ما بين منصب مرموق في الدولة وبين مقاول من الباطن، ولم يعاقب الشيخ الوقور أناسا ويجعلهم كبشا للفداء ويترك رؤوس الأفاعي كما يفعل إعلامنا، بل ألحق الرأس بالذنب ومنع جميع الفاسدين من ركوب سفينة الشرفاء.

لكن الشيخ أخذته الرحمة على أحدهم وقال له: يا مسؤول اركب معنا .. ولكن المسؤول الفاسد لما رأى أصحابه منعوا من الركوب تملكه الخجل أن يركب مع الشرفاء وقال: سآوي إلى برج المملكة يعصمني من الماء.

كانت المياه في ذلك اليوم قد وصلت إلى الركب، وقد حملنا معنا في السفينة من كل زوجين اثنين، إلا الضب، فإنه كان يسخر منا ونحن نبني السفينة في الثمامة، ويصبح علينا ويمسي: هزلت!! سفينة بين جحور آل ضبان؟؟!!

وفي اليوم التالي أمطرت السماء مطرا أكثر من سابقه، ولكنه لم يكن بالكمية التي تغرق مدينة، بل إنه لو نزلت أضعاف هذه الكمية على إحدى مدن إفريقيا الفقيرة لما واجهوا مشكلة ولا حصل اضطراب، ولكنها الرياض يا سادة ..

لقد غرقت الرياض عن بكرة أبيها واختفت معالمها، وغرق برجيها، وبدأت سفينتنا تطفو فوق الماء.

لقد بتنا على ظهر السفينة ثلاثين ليلة، كان الشيخ الوقور يرفع يديه بعد كل صلاة ويقول: ألا لعنة الله على الفساد ألا لعنة الله على الفساد ..

وفي أحد دروسه اليومية التي كان يقرؤنا فيها القرآن وبعض الحديث، قال لنا: اعلموا أنه ما أصابكم لم يكن إلا بذنب.

فقال قائل: وما هو هذا الذنب؟

فرد عليه الشيخ وقد احمرت وجنتاه: ويحك، وأي ذنب أعظم من الفساد، إلا السكوت عنه.

وبعد أن عشنا على ظهر هذه السفينة شهرا، بلعت الأرض ماءها، وغيض الماء، واستوت سفينتنا على تل مطل على مدينتنا التي أخرجنا منها، كان السماء صافية، وكان منظر شروق الشمس على المدينة يسر الناظرين، لقد بدت الرياض يا سادة بيضاء ناصعة لم تتغير مبانيها أو معالمها، وما زادها المطر إلا لمعانا ..

عدنا إلى الرياض مرة أخرى، لقد كانت هي هي كما تركناها، لكنها الآن تطهرت من رؤوس الفساد وأذنابه، ومن الضبان كذلك.

وعاهدنا الله ألا نعود إلى الذنب الذي حذرنا منه شيخنا الوقور الذي دفناه بعد نزولنا من السفينة في مقبرة النسيم.
ترنمت وأنا خارج من المقبرة بما كان يترنم به شيخنا الوقور كل يوم على ظهر السفينة … لقد كان يطربنا بصوته العذب:

اشــتـدي أزمـة تنفرجي ** قـد آذن ليــلك بالبــلــج
وظلام الليـل لـه سـرج ** حتى يغشاه أبـو السـرج
وسحاب الخير لـه مطـر ** فإذا جـاء الإبـان تجـي
وفوائـد مولانـا جـمـل ** لسروح الأنفـس والمهـج

مايو 19th, 2010

تمخضت وزارة التربية .. فولدت تعميماً

كتبت في قسم : بلا قيود بواسطة نظم

نشرت هذه التدوينة قبل فترة ولا أدري أين اختفت، وأعتذر للإخوة الذين علقوا عليها وحذفت تعليقاتهم

 

صاحبي فكاهي وساخر من الطراز الأول، ولا تكاد تخلو جلسة من جلساته من نكتة لاذعة أو تعليق يحمل قدرا من السخرية.

ذات ليلة قال لنا: هل تصدقون أن وزارة التربية والتعليم أصدرت قرارا بوجوب الاستهلال بكلمة “سيدي” في المخاطبات الرسمية لأبناء الملك عبدالعزيز رحمه الله، ضحك المجلس بمن فيه ظنا منا أنها مجرد طرفة من الطرف التي يلقيها علينا وينفس عنا بعض الهموم، لكني حين رجعت إلى بيتي منهكا بعد سهرة لم تخل من الضحك على صاحبنا ومحاولاته الجادة و”الفاشلة” أن يقنعنا بصدق الخبر فزرت العم قوقل لأجد ما يؤيد طرفة صاحبنا التي أصحبت حقيقية ..

لا أخفيكم أني غرقت في موجة ضحك هستيرية فاقت تلك التي في المجلس، الخبر حقيقي يا جماعة ..

بعد أن أفقت من الضحك والصداع الذي خلفه، استوعبت الصدمة .. وبدأت محاولة تكذيب الخبر حتى أعلق نفسي بخيط من الأمل لا يفقدني التفاؤل بالتطور في وزاراتنا الميمونة .. لكن الحقيقة تفرض نفسها وتلجمني ..

سجل يا تاريخ هذا القرار الصارم الذي سيقلب التعليم رأسا على عقب، ويرتقي بنا درجات نحو … (الهاوية) ..

اسأل أسوء متشائم في يعيش بيننا، هل كنت تظن أن تعيش إلى هذا اليوم الذي يصدر فيه مثل هذا القرار؟ ليجيبك بلا تردد: إن التشاؤم (بشحمه ولحمه) لا يستطيع أن يفكر في ذلك .. مجرد تفكير

وهذا التعميم لم يصدر عبثا .. كلا وحاشا .. فهناك معانٍ تربوية وتعليمية لا تخفى إلا على كل (ذي لب) ..

فوزارتنا المحترمة تتكون من شقين “تربية” و “تعليم” .. واحترت كثيرا إلى أي هاتين الكلمتين ينتمي هذا التعميم، ولكني اهتديت بعد جلسات من التفكر والتمعن أنه ينتمي إلى كليهما .. ومن لم يصل إلى كيفية ربط كلمة سيدي بالتربية والتعليم، فليراجع الوزارة، مكتب شرح التعاميم الهامة والعاجلة، والذي لن يفتح لك بابه حتى تكتب كلمة سيدي مئة مرة وبالتشكيل.

أحب أن أذكر الوزير المحترم .. بأن يلحق تعميما بذلك التعميم ينبه فيه أن احذروا من كتابة كلمة سيدي بكسر السين كما ينطقها إخواننا الحجازيين، لأنه أحيانا تطلق هذه الكلمة للاستهزاء والتندر كما في قول البعض (طيييير يا سـِـيدي أو على مييييين يا سـِـيدي) ، أو ربما يفهم منها بأنك تذم المسؤول وتشبهه بالـ(CD) فهو يدور في حلقة مفرغة، أو أنه يعبئه من يريد بما يريد ليستمر طول حياته يجتر ما في جعبته ويعيده ويكرره دون ملل ثم يتم التخلص منه في أقرب قمامة حين تنتهي مهمته، فلذلك يجب إلحاق تعميم يجري فيه التنبيه على التقيد بكلمة سيدي بالتشكيل الصحيح حتى لا يفهم أحد ما لا تحمد عقباه .. وهذا مما لا يليق بالمخاطب ويهين حتى المراسل الذي يحمل الخطاب، وربما يصب عليه المسؤول جام غضبه إذا لم ير كلمة سيدي بالتشكيل الصحيح.

لا أدري  حقيقة كم  استغرق مخاض هذا الاجتماع الذي ولد عنه مثل هذا القرار، ولكني أربأ بهم أن يكون أقل من أسبوع باجتماعات يومية، فمثل هذه القرارات التي ستغير مجرى التاريخ لا يمكن أن تصدر بقرار ارتجالي ..

لقد وصف هذا القرار في مواقع الأخبار بأنه “هام وعاجل” .. وأهميته – حسب تحليلي-  ترجع إلى أنه حين يقرأ المسؤول، الخطاب الموجه له ولم يستهل الخطاب بكلمة “سيدي” فربما جـُرح كبرياؤه وشعر بالتحقير ولو كان مبدوءا بسمو مولانا الأمير .. فكلمة سيدي لها إيقاعها الخاص ومدلولاتها التي لا يمكن لأي كلمة أن تعدلها.

ربما يتبادر إلى ذهن البعض ويسأل هذا السؤال .. هل يجوز لنا يا سعادة الوزير أن نستهل خطاباتنا بكلمة مولاي مثلا أم يجب علينا الالتزام بما ورد في الخطاب نصا ..

الجواب واضح أيها الأصحاب، لا يجوز الاستهلال بأي كلمة كانت لا مولاي ولا غيرها ولا حتى سيدنا (بالجمع) الأمير فلان .. فالخطاب واضح وصريح ولا يحتمل التأويل، فهو لم يقل كلمة سيدي ونحوها أو سيدي وجمعها .. بل اقتصر على كلمة “سيدي”.

الخلاصة: إن كتبت خطابا ودبجته بكل عبارات الثناء والتبجيل والاحترام، ولكنك لم تستهل خطابك (لأي سبب كان) بكلمة “سيدي” أو لم تكن الكلمة واضحة وبين قوسين وتحت البسملة مباشرة، فأنت تعتبر مخالفا ومستهزئا بالقرار حتى ولو كتبتها وسط عبارات التبجيل ..

وأنت بالتالي تحتاج إلى تربية وتعليم.

سجل يا تاريخ واشهد يا زمن .. ودمتم بخير حتى قرار مفصلي آخر من وزارتنا رحمها الله ..